الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
295
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
إن آثارهم واضحة على صفحات البسيطة . وليس على صفحات التاريخ فحسب ، أقوام - كقوم عاد وثمود وقوم نوح وقوم لوط وقوم فرعون - عوقبوا جزاءا لأعمالهم فبعض أبيدوا بالطوفان وآخرون بالصاعقة ، وجماعة بقوة الرياح ، وقوم بالزلزلة وأحجار السماء . ثم نتبعهم الآخرين لأنها سنة مستمرة لا تبعيض فيها ولا استثناء ، وهل يمكن أن يعاقب جماعة لجرم ما ، ويقبل ذلك الجرم من آخرين ؟ ! ولذا يضيف تعالى في الآية الأخرى : كذلك نفعل بالمجرمين . هذه الآية في الحقيقة هي بمنزلة بيان الدليل على هلاك الأمم الأولى ويستتبعه هلاك الأمم الأخرى ، لأن العذاب الإلهي ليس فيه جانب الثأر ولا الانتقام الشخصي . بل إنه تابع لأصل الاستحقاق ومقتضى الحكمة . وقال البعض : إن المراد من ( الأولين ) هم الأمم المتوغلة في الماضي البعيد كقوم نوح وعاد ثمود ، و ( الآخرين ) اللاحقون بهم من الأمم الغابرة أمثال قوم لوط وقوم فرعون ولكننا نلاحظ أن ( نتبعهم ) جاءت بصيغة فعل مضارع ، والحال أن عبارة ( ألم نهلك ) وردت بصيغة الماضي ، فيتضح من ذلك أن ( الأولين ) هم الأمم السابقة الذين هلكوا بالعذاب الإلهي و ( الآخرين ) هم الكفار المعاصرون للنبي ( صلى الله عليه وآله ) أو الذين يأتون إلى الوجود فيما بعد ، ويتلوثون بالجرائم والمعاصي والظلم والفساد . ثم يضيف مستنتجا : ويل يومئذ للمكذبين . ( يومئذ ) : إشارة إلى يوم البعث الذي يعاقب فيه المكذبون بالعقوبات الشديدة ، والتكرار هو لتأكيد المطلب ، وما احتمله البعض من أن هذه الآية ناظرة إلى العذاب الدنيوي ، والآية المشابهة لها والتي وردت سابقا ناظرة إلى العذاب الأخروي يبدو بعيدا جدا . ثم يمسك القرآن بأيديهم ليأخذهم إلى عالم الجنين ويريهم عظمة الله